النويري

309

نهاية الأرب في فنون الأدب

عامرة آهلة ، فحصرها ، وضيّق على من بها إلا أن المسلمين أيسوا من فتحها لما رأوا من حصانتها ، فأتى من لطف اللَّه تعالى ما لم يكن في حساب ، وانهدم من السّور قطعة كبيرة لم يعلم سبب هدمها ، فدخل المسلمون في المدينة ، وقتلوا من أهلها ما لا يحصى كثرة ، وأسروا نحوا مما قتلوا ، وسارت البشائر بهذا الفتح في البلاد ، وقرئ كتاب الفتح ببغداد في دار الخلافة ، فبرز خط الخليفة بالثناء على ألب أرسلان ، والدعاء له ، فرتّب السلطان بالمدينة أميرا في عسكر جرار ، وعاد عنها ، وقد راسله ملك الكرج في الهدنة ، وصالحه على أداء الجزية في كل سنة ، وعاد السلطان إلى أصفهان ، وكرمان ، ثم إلى مرو ، وزوج ابنة ملكشاه بابنة خاقان ملك ما وراء النهر ، وزفت إليه في هذه السنة ، وزوّج ابنه أرسلان شاه بابنة صاحب غزنه ، فاتحد البيت السلجقى والمحمودى ، واتفقت الكلمة . وفي سنة سبع وخمسين وأربعمائة ابتدئ بعمارة المدرسة النظامية ببغداد ، وكملت عمارتها في سنة تسع وخمسين ، وتقرر التدريس بها للشيخ أبي إسحاق الشيرازي ، فلما اجتمع الناس لحضور الدروس طلب ، فلم يوجد ، وكان سبب تأخره أنه لقيه صبّى ، فقال : « كيف تدرس في مكان مغصوب ؟ » ، فلم يحضر ، فلما أيس الناس من حضوره درس بها أبو نصر الصبّاغ صاحب كتاب الشامل ، ثم تلطف نظام الملك بالشيخ أبي إسحاق ، حتى درّس بها بعد عشرين يوما .